|
|
|
|
| ماذا فعلت في الحرب يا أبي؟ |
|
|
5
ايلول 2008 |
كان الشاب مسترخيا في مقعده يشاهد فيلم DVD من السلسلة الهزلية الكلاسيكية عن الحرب العالمية الثانية يحمل الاسم عينه ويروي قصة ضابطين أميركي (كاش) وفرنسي (كريستيان) تابعين لقوات الحلفاء كانا يقودان هجوما على بلدة في صقلية. وقد عرض عليهما أهلها الاستسلام دون مقاومة اذا هما أتاحا لهم مشاهدة مباراة لكرة القدم على ملعب البلدة يليها احتفال بمهرجان النبيذ. فراقتهما الفكرة واندفع الجنود في عيد النبيذ الى درجة تراءى للألمان والأميركيين على السواء أن ثمة معركة في البلدة فقرروا مهاجمتها... وقد التفت الشاب نحو والده الذي كان في جواره على الأريكة وسأله: "وأنت يا أبي، ماذا فعلت في الحرب وبعدها؟". فأجابه: "فعلت الكثير يا بني. المشروع والممنوع، الاخلاقي وغير المحلل، الظاهر والخفي، بضمير وبلا ضمير، ولو لم أفعل كل ذلك فمن أين كان لنا أن نقتني مثل هذه الدارة الحافلة بالخدم والحشم. ومن أين كنا سنأتي باليخت في البحر، والطائرة النفاثة الخاصة، والممتلكات العقارية الواسعة في لبنان والخارج، الى جانب حسابات في أكبر المصارف العالمية بمختلف أنواع النقود، اضافة الى محفظة كبيرة من السندات والاوراق المالية في أهم البورصات العالمية؟ وقد تاجرت بكل شيء. بالفيول حيث كنا نغش هذه المادة بمزجها بالمازوت من أجل خفض نسبة الكبريت فيها بالتواطؤ مع أحد الوزراء الذي جنى هو – وشريكه أحد أركان الترويكا – ثروة طائلة رفض الافصاح عنها رغم دخوله السجن بسببها. كذلك تاجرت بالمواد الغذائية المنتهية صلاحيتها والتي كنا نطبع عليها تواريخ جديدة. إلا أن أكثر الاشغال ربحاً كان المجال العقاري، وقد أتاحت فترة الحرب لأصحاب الرساميل شراء مساحات واسعة في بيروت والمناطق والحصول على "لقطات" خصوصا في بيروت بين الاشرفية والقنطاري بعدما استبد اليأس بالناس جراء اطالة أمد الحرب والاقتتال، فاندفعوا الى بيع أملاكهم بأي أسعار ومغادرة البلاد. وقيل يوم أُعطيت "سوليدير" الوسط التجاري انها بيعت بـ"ربع حقها". وعلى هذا الأساس جرى إخراج المهجرين والمحتلين من المباني في "وادي الذهب" وادي أبو جميل، وكانت التعليمات لصندوق المهجرين: تقديم تعويضات للمحتلين في حدود ربع قيمة العقارات مع بعض الاستثناءات لعدد من أمراء الحرب. وقد ظهر بعض "السخاء" في تعويض الواجهة البحرية لبيروت حتى لا تبقى "سوليدير" مزنّرة بحزام من الاكواخ التي يعشش فيها الفقر والبؤس مما يهدد بانفجار اجتماعي يطيح كل الآمال التي عُلّقت عليها". وهنا سأله ابنه: "أين كانت الدولة في ذلك الوقت؟". أجابه: "ان الدولة لم تلتفت الى الاوضاع الاجتماعية للمواطنين لأن المشاركين في الحكم كانوا شركاء في استغلال حال الحرب وما بعدها لكسب المال وتكديسه، فضلا عن زيادة مقتنياتهم من العقارات التي جاورت أسعارها حاليا في بيروت أسعار الذهب. لكن الخيار استقر، ويا للأسف، على الجانب الريعي القائم على العقارات والعيش من ثمارها والاستدانة من المصارف للانفاق على الدولة، وتغطية بقية حاجات القطاع العام بما يتيسر من الضرائب غير المباشرة التي تصيب الجميع بنسب واحدة، ولا فرق فيها بين غني وفقير. فوقع الظلم على الفقراء ومتوسطي الحال وجرى إهمال القطاعات الانتاجية. وتركزت الاموال والنشاطات الاساسية في "المركز"، أي المدينة، وجرى التعامل مع المناطق الواقعة خارجها وخارج جبل لبنان على أنها أطراف، لا علاقة للدولة بها. فغرقت في البؤس والفقر، وتحولت أراضي خصبة للتهريب والخروج على القانون وصولا الى الحركات المتطرفة التي اكتشفتها الدولة متأخرة ويا للأسف في طرابلس، فهبت بقضها وقضيضها مخصصة لها يوما كاملا، وكأن ذلك "يشيل الزير من البير"، . واذا كانت الحكومة ظنت أنها اكتشفت البارود في بحثها المتأخر عن جذور العنف المديني، فإننا ندلها على جذور أخرى في بيروت وضواحيها، وهي مزمنة، من حي اللجا والوتوات الى أحياء داخلية كثيرة في بيروت الغربية معظمها سنية تعيش الناس فيها "مستورة" في أوضاع مزريعة من الفقر والاهمال، وتشاهد حاليا قوافل الحصص الغذائية تدخلها لمناسبة شهر رمضان... فالى النبعة وبرج حمود ومتفرعاتهما التي تعيش على مساعدات "كاريتاس". ولاحظ الشاب أنه "من التبسيط الساذج للأمور القول ان إهمال التنمية الاجتماعية في طرابلس هو الذي أوصلها الى الحال الامنية المتردية، وأن ضخ المال في المدينة من شأنه انقاذها من براثن العنف والتطرف. ذلك أن طرابلس ومعها عكار مثلها مثل بعلبك – الهرمل، وأجزاء في البقاع الغربي متاخمة لسوريا مثل دير العشائر وسواها، قد تركت لسوريا، ويا للأسف، في حياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولم يجر الالتفات اليها من أجل اعادتها الى "كنف" الوطن الأم، السيد، الحر، والمستقل. إلا أن هذه الفئات التي أهملتها دولة الريع لا الرعاية، ودولة الاستدانة لا الانتاج والابداع، ووزعت الفقر بدل الثروة، قد أضعفت لديها الشعور بالولاء الذي اعتبره المطارنة الأجلاء "شرطا من شروط المواطنية الصالحة" وبدونه "يعيش الانسان على أرض وطنه ويعتاش من خيوره وينعم بها ويخدم سواه من الاوطان ويعمل على تحقيق مصالحه على حساب مصالح وطنه". لذلك لم يكن كلام الرئيس السوري بشار الاسد أمس في شأن طرابلس مستغرباً، ليس لأن فيها "قوى متطرفة تذكي عدم الاستقرار في المدينة" طالب الاسد الرئيس اللبناني ميشال سليمان بارسال مزيد من الجنود لفرض الأمن فيها، بل لأن طرابس شأنها شأن "أطراف" كثيرة في لبنان لا تعتبر نفسها جزءا من الدولة اللبنانية التي لن تكتمل سيادتها واستقلالها إلا باستعادة هذه الاطراف اقتصاديا واجتماعيا قبل استعادتها سياسياً". فهل يكون اكتشاف "نبع" التطرف الشمالي بداية يقظة تؤدي الى الاعتراف بلبنانية الاطراف وأهلها تمهيداً لاعادتهم الى كنف الدولة؟ ادمون صعب |
|
| |
|
bravenet.com